الهوية والأرض والوحدة
النظام الذي نشأ في لبنان بعد الطائف لا علاقة له بالدستور. الدستور الذي ينظّم المؤسسات والسلطة جرى نقضه بقوانين الانتخاب التي جزّأت الإرادة الشعبية وحوّرتها. تواطأت الطبقة السياسية بجميع فروعها الطائفية على تقاسم الدولة وتعطيل الإصلاحات التي تمّ إقرارها في الدستور. كل السياسات الاقتصادية والمالية والإدارية والأمنية تمت على أساس المقايضة بين المصالح المتبادلة للفرقاء. يستمر هذا الوضع الشاذ بقوة الأمر الواقع لا بقوة الأحكام الدستورية. ليس هناك من فريق يمثل أو يشارك في هذه الوليمة على الدولة يملك مشروعاً للدولة يتجاوز حدود طائفته.
ليس النظام القائم فقط هو «الكوتا السياسية» أو التمثيل النسبي للجماعات أو هذه «الفيدرالية الشخصية» التي دافع عنها اليمين اللبناني بجناحيه المسيحي والمسلم. تطور هذا النظام لتقليص مساحة الدولة لصالح القوى الطائفية التي كوّنت جغرافيا سياسية واجتماعية.
لم يعد الحديث عن «تعديل النظام أو تطويره» يمكن أن يحل مشكلات فاضت عن حدود هذا النظام حتى أسقطت هيبة الدولة وسلطانها. الأزمة أعمق من صلاحيات يمكن أن توفر المبادرة لتحريك المؤسسات. شخصنة وتطييف المؤسسات لا تسمح بالتوازن والتعاون في ظل الانقسام الوطني الراهن. قد تتشكّل حكومة على توليفات لفظية أو على تسويات سياسية ظرفية، على صعوبة ذلك، لكن إدارة البلاد بهذه الآليات باتت مستحيلة ومنتجة للأزمات المتواصلة.
تراكمت مسؤوليات الدولة المولجة بناء المؤسسات والمصالح العامة والبنيات الخدمية التحتية. ففي حين تتخفف الدولة الحديثة مع الموجة الليبرالية من هذه الأعباء، صار على الدولة في لبنان حكماً أن تنجز مهمات لم يسبق أن أنجزتها أو أن تتخلى عنها لصالح القطاع الخاص الذي لا يلائم التوازن الطائفي، أو للطوائف العاجزة عن القيام بهذا الدور. هذه هي الدلالات الفعلية للفوضى الضاربة في الكثير من مرافق الخدمات والإدارة العامة. لكن النظام الطائفي لم يعد يدير مصالح اقتصادية بسيطة ويتعايش معها كما كان في الماضي.
أمام النظام تحدياتٌ من النوع الذي يحتاج إلى إجماعات كبيرة وعميقة سياسية وأمنية واقتصادية. هذه الإجماعات غير ممكنة في ظل المخاوف والهواجس المتبادلة غير المقتصرة على فريق واحد. لا تستطيع الدولة أن تحمي حدودها الخارجية خاصة في الجنوب من دون التسليم للمقاومة بسلاحها ودورها. ولا تستطيع الدولة أن تنهض بمهماتها الاقتصادية والإدارية في تعايش بالإكراه بين واقع المقاومة ومستلزماتها المتنوعة وبين النظام السياسي والاقتصادي الحامل مصالح متناقضة. لقد تصاعدت ظاهرة القلق من الخلل الديموغرافي والتوسّع الجغرافي بين معظم الجماعات كل جماعة على حدودها. وليس هناك من وصفة لطمأنة هذه المخاوف الآتية من تطور الرأسمالية التي جلبت معها تحولات اجتماعية منذ القرن التاسع عشر على شكل تغيير في التوازنات الطائفية. لن تتوقف هذه التحولات ولن تتوقف الهواجس إلا بإخراج الاستراتيجيات الطائفية من حلبة الصراع.
هذا النظام الطائفي يجعل اللبنانيين أسرى الصراع على الأرض والهوية بدلاً من أن يدخلهم في المنافسة المفتوحة على حاجات التقدم الإنساني. حيث يقبل اللبنانيون أن يكونوا متساوين تتغيّر كل أشكال التحديات وأشكال الصراع وتتلاشى تدريجياً المخاوف في إطار دولة القانون.
ما هو مشروع الآن من نزاع على الهوية ليس إلا الوجه الآخر لطبيعة النظام وتجلياته وإفرازاته. ولا يستطيع النظام الطائفي لا في الماضي ولا في المستقبل أن يسيطر على محرّضات لا يملك أدوات التحكّم بها كالديموغرافيا أو ملكية الأرض أو ملكية الثروة المادية والمعنوية. هكذا لا يؤدي التمسّك بهذا النظام مع وهم تعديله أو تطويره إلا إلى مفاقمة الحاجة إلى شكل من أشكال التقسيم. في واقع الأمر لبنان منقسم ويتوقف مصيره على مصير محيطه طالما أنه لا يمتلك كتلة وطنية صلبة تدافع عن مشروع وحدته وقيامة دولته المركزية.
خمسة شهور «هزّت العالم» واجتاز العرب نصف قرن من الركود دفعة واحدة. هذا زمن أسرع ممّا نتخيّل والديموغرافيا العربية أيضاً أنتجت جيلاً فاضت طموحاته وحاجاته عن النظام الرسمي وخرج يطالب بحقوق مهدورة. لم تستطع الجغرافيا العربية السائدة في تشكيلاتها السياسية أن توقف هذا الحراك داخل حدود معينة.
هذه ظاهرة عربية تؤكّد على وحدة الأرض والهوية بعكس كل الهواجس الشرعية والمشروعة من احتمالات انسداد أفق التغيير وانزلاقه إلى وقائع تفتيتية طائفية وجهوية. نحن أمام امتحان صعب حقيقي لعناصر تماسك مجتمعاتنا مع كل اختلال في بنية السلطة. النتائج المحتملة مرهونة للعلاقة بين المجتمع والسلطة ومدى القدرة على إرساء معادلة جديدة تكبح التأثيرات الخارجية التي تنزع إلى دفع الأمور في اتجاه التصدّع والانقسام. لا يمكن للتحليل أن ينوب عن الوقائع ولا يمكن إسقاط الرغبات الذاتية على واقع مأزوم أخرج كل هذه الإشكالات والقضايا دفعة واحدة. إن موجب التحفّظ مع المتحفّظين على التدخل الخارجي الذي يفشي عن مخاطر حقيقية، لا يلغي الدعوة إلى السياسة الاستباقية المطلوبة لمعالجة أمور استفحلت سلبياتها وباتت تلح لمواجهتها.
لقد أفرزت الأوضاع العربية ظاهرات لم يعد ممكناً تجاهلها أو التعامل معها كما في الماضي. شرط حل المشكلات معرفتها ولو كانت معقدة وكبيرة. ليست الدعوة إلى الحوار الوطني تملصاً من الخيارات وطوباوية في غير مكانها. في كل بلد عربي على الإطلاق نحتاج إلى حوار وطني شامل لإنتاج إجماعات مشتركة ولاستنهاض ما هو موجود من قوى تتمسّك بالوحدة الوطنية والحرية والاستقلال في آن معاً.
ليس النظام القائم فقط هو «الكوتا السياسية» أو التمثيل النسبي للجماعات أو هذه «الفيدرالية الشخصية» التي دافع عنها اليمين اللبناني بجناحيه المسيحي والمسلم. تطور هذا النظام لتقليص مساحة الدولة لصالح القوى الطائفية التي كوّنت جغرافيا سياسية واجتماعية.
لم يعد الحديث عن «تعديل النظام أو تطويره» يمكن أن يحل مشكلات فاضت عن حدود هذا النظام حتى أسقطت هيبة الدولة وسلطانها. الأزمة أعمق من صلاحيات يمكن أن توفر المبادرة لتحريك المؤسسات. شخصنة وتطييف المؤسسات لا تسمح بالتوازن والتعاون في ظل الانقسام الوطني الراهن. قد تتشكّل حكومة على توليفات لفظية أو على تسويات سياسية ظرفية، على صعوبة ذلك، لكن إدارة البلاد بهذه الآليات باتت مستحيلة ومنتجة للأزمات المتواصلة.
تراكمت مسؤوليات الدولة المولجة بناء المؤسسات والمصالح العامة والبنيات الخدمية التحتية. ففي حين تتخفف الدولة الحديثة مع الموجة الليبرالية من هذه الأعباء، صار على الدولة في لبنان حكماً أن تنجز مهمات لم يسبق أن أنجزتها أو أن تتخلى عنها لصالح القطاع الخاص الذي لا يلائم التوازن الطائفي، أو للطوائف العاجزة عن القيام بهذا الدور. هذه هي الدلالات الفعلية للفوضى الضاربة في الكثير من مرافق الخدمات والإدارة العامة. لكن النظام الطائفي لم يعد يدير مصالح اقتصادية بسيطة ويتعايش معها كما كان في الماضي.
أمام النظام تحدياتٌ من النوع الذي يحتاج إلى إجماعات كبيرة وعميقة سياسية وأمنية واقتصادية. هذه الإجماعات غير ممكنة في ظل المخاوف والهواجس المتبادلة غير المقتصرة على فريق واحد. لا تستطيع الدولة أن تحمي حدودها الخارجية خاصة في الجنوب من دون التسليم للمقاومة بسلاحها ودورها. ولا تستطيع الدولة أن تنهض بمهماتها الاقتصادية والإدارية في تعايش بالإكراه بين واقع المقاومة ومستلزماتها المتنوعة وبين النظام السياسي والاقتصادي الحامل مصالح متناقضة. لقد تصاعدت ظاهرة القلق من الخلل الديموغرافي والتوسّع الجغرافي بين معظم الجماعات كل جماعة على حدودها. وليس هناك من وصفة لطمأنة هذه المخاوف الآتية من تطور الرأسمالية التي جلبت معها تحولات اجتماعية منذ القرن التاسع عشر على شكل تغيير في التوازنات الطائفية. لن تتوقف هذه التحولات ولن تتوقف الهواجس إلا بإخراج الاستراتيجيات الطائفية من حلبة الصراع.
هذا النظام الطائفي يجعل اللبنانيين أسرى الصراع على الأرض والهوية بدلاً من أن يدخلهم في المنافسة المفتوحة على حاجات التقدم الإنساني. حيث يقبل اللبنانيون أن يكونوا متساوين تتغيّر كل أشكال التحديات وأشكال الصراع وتتلاشى تدريجياً المخاوف في إطار دولة القانون.
ما هو مشروع الآن من نزاع على الهوية ليس إلا الوجه الآخر لطبيعة النظام وتجلياته وإفرازاته. ولا يستطيع النظام الطائفي لا في الماضي ولا في المستقبل أن يسيطر على محرّضات لا يملك أدوات التحكّم بها كالديموغرافيا أو ملكية الأرض أو ملكية الثروة المادية والمعنوية. هكذا لا يؤدي التمسّك بهذا النظام مع وهم تعديله أو تطويره إلا إلى مفاقمة الحاجة إلى شكل من أشكال التقسيم. في واقع الأمر لبنان منقسم ويتوقف مصيره على مصير محيطه طالما أنه لا يمتلك كتلة وطنية صلبة تدافع عن مشروع وحدته وقيامة دولته المركزية.
خمسة شهور «هزّت العالم» واجتاز العرب نصف قرن من الركود دفعة واحدة. هذا زمن أسرع ممّا نتخيّل والديموغرافيا العربية أيضاً أنتجت جيلاً فاضت طموحاته وحاجاته عن النظام الرسمي وخرج يطالب بحقوق مهدورة. لم تستطع الجغرافيا العربية السائدة في تشكيلاتها السياسية أن توقف هذا الحراك داخل حدود معينة.
هذه ظاهرة عربية تؤكّد على وحدة الأرض والهوية بعكس كل الهواجس الشرعية والمشروعة من احتمالات انسداد أفق التغيير وانزلاقه إلى وقائع تفتيتية طائفية وجهوية. نحن أمام امتحان صعب حقيقي لعناصر تماسك مجتمعاتنا مع كل اختلال في بنية السلطة. النتائج المحتملة مرهونة للعلاقة بين المجتمع والسلطة ومدى القدرة على إرساء معادلة جديدة تكبح التأثيرات الخارجية التي تنزع إلى دفع الأمور في اتجاه التصدّع والانقسام. لا يمكن للتحليل أن ينوب عن الوقائع ولا يمكن إسقاط الرغبات الذاتية على واقع مأزوم أخرج كل هذه الإشكالات والقضايا دفعة واحدة. إن موجب التحفّظ مع المتحفّظين على التدخل الخارجي الذي يفشي عن مخاطر حقيقية، لا يلغي الدعوة إلى السياسة الاستباقية المطلوبة لمعالجة أمور استفحلت سلبياتها وباتت تلح لمواجهتها.
لقد أفرزت الأوضاع العربية ظاهرات لم يعد ممكناً تجاهلها أو التعامل معها كما في الماضي. شرط حل المشكلات معرفتها ولو كانت معقدة وكبيرة. ليست الدعوة إلى الحوار الوطني تملصاً من الخيارات وطوباوية في غير مكانها. في كل بلد عربي على الإطلاق نحتاج إلى حوار وطني شامل لإنتاج إجماعات مشتركة ولاستنهاض ما هو موجود من قوى تتمسّك بالوحدة الوطنية والحرية والاستقلال في آن معاً.
نقلا عن
سليمان تقي الدين ـ "السفير


0 Comments:
Post a Comment
Subscribe to Post Comments [Atom]
<< Home